عبد الملك الجويني
76
الشامل في أصول الدين
اللذين هما سواه ، إذ ليس أحدهما أولى بذلك من الثاني . وهذه نهاية من الجهل لا يلتزمها محصل . فهذه لمع كافية في إثبات ما رمناه . والطريقة الأخرى غير مستقيمة على أصول المعتزلة من وجوه : منها أن المعول فيها على [ ما ] قدمناه من أن أحد العلمين ليس بأولى من الثاني . وقد أبطلت المعتزلة ذلك بأوجه منها : أنهم زعموا أن السواد الطارئ ينافي وجود البياض القائم بالمحل ، مع قطعها بأنه ليس أحدهما أولى بمضادة الثاني من الآخر ، ثم اختص أحدهما بالمضادة ، وربما أفسدوه من أركان الدلالة : أنهم جوزوا ثبوت حكم العلم ، لمن لم يقم به العلم ، حيث قالوا : إن العلم القائم بجزء من الجملة يوجب حكم العلم للجملة ، ولا يوجبه لمحله على الاختصاص ، فتظل عليهم رعاية ما مهدناه . فصل [ إبطال قيام العرض بنفسه ] فإن قيل : ما دليلكم على استحالة قيام العرض بنفسه ؟ قلت : الدليل عليه أن العلم ونحوه لو قام بنفسه ، لم يخل إما أن يعلم به ويثبت حكمه ، أو لا يعلم به . فإن لم يعلم به ، كان ذلك انقلاب جنسه على ما سبق إيضاحه . وإن قال الخصم : إنه يعلم به ، طولب عند ذلك بذكر العالم به ، فلا يجد إلى إبدائه سبيلا . ومن الدليل على ذلك أن العرض لو قام بنفسه لقبل العرض . وذلك أن المصحح لقبول الجوهر للمعاني قيامه بنفسه ، فإنا إذا أسبرنا أوصاف الجواهر ، وعرضناها على التقسيم ، لم يصح كون الشيء من صفاتها مقتضيا قبول المعنى إلا صفة القيام بالنفس . ثم إذا ثبت ذلك بالسبر والتقسيم ، لزم طرده في كل ما يقوم بنفسه ، وفي إبطال قيام العرض بالعرض في إبطال قيامه بنفسه . فإن قيل : فجوزوا قيام الحوادث بذات القديم للقيام بالنفس ، وجوزوا كذلك أيضا قيام الصفات القديمة بالجوهر . قلنا : هذا خارج عن غرضنا . فإنا قلنا المصحح لقيام المعنى على الجملة القيام بالنفس . ولم نتعرض لتفصيل المعاني ، ولم يستحل قيام الحوادث بذات القديم من حيث كان معنى ، وإنما استحال من وجه آخر . وكذلك لم يستحل قيام الصفة القديمة بالجوهر من حيث كان معنى ، بل استحال ذلك لحدوث الجوهر ، وتقدم وجود الصفة القديمة عليه ، واستحالة انتقالها عن الموصوف بها إلى الجوهر عند حدوثه ، فاستمرت الدلالة . ولا مطمع